ابن بسام
125
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
من الحياض قطرة ؛ كما أنّ جيش الكرم قد انهزم ، وزائر الشّرف قد انصرف ، ومركوب المجد قد ندّ ، فعشت أظنّ هذا الظّن ، حتى سافرت إلينا رفاق الأخبار بشهادات زكّاها مرور الأيام ، ودءوب الدّوام ، تشهد بسؤدد بان عن السؤدد العصامي ، وحزم فاق الحزم الهشاميّ ، وجود جاوز الجود الكعبي ، وبأس أنسى البأس المصعبي . ثم سفر لي الدهر عن سفر إلى مغرب [ 79 ] الدنيا ومشرق العليا ، والبقعة المباركة الباديسيّة ، والدولة المظفريّة ، والمملكة الشامخة الحميريّة ، والحضرة الشريفة المنيفة الغرناطيّة ، فعاينت عالما في عالم ، قد شركوه في النّسبة إلى آدم ، وانفرد من مناسبتهم ، وشدّ عن مجانستهم ، بجميل طرائق ، وحميد خلائق ، / انفردت انفراد سهيل ، وجمعت في المرأى والمسمع ما زاد على زيد الخيل . مغرى بالأدب المهجور بل المطرود ، ساليا عن المال المعشوق بل المعبود ، منفقا للحمد الدّفين [ 1 ] المرسوس إلى صنوف من الفضائل ، وأنواع من الجلائل ، لا يحيط بها الوصف ، ولا يجمعها الرّصف ، يغني النقل الكافيّ والتّواتر الإجماعيّ عن تأتيتها على ألسنة الأقلام إلى أفهام الأنام . وقد قدحت زند الفكر فأورى شررا ، وامتحت [ 2 ] قليب القلب فأجرى نهرا ، فرقمت في هذا المجموع من الكلام المنثور المسجّع الأوساط والأطراف ، والمنظوم المكلّل بتيجان القوافي ، ما استنبطته من ذوات صدري ، واستنتجته من بنات فكري : فقرا ابتدعتها وسجعتها ، ومعاني حكايات اخترعتها ، تطرّزها الأقلام ، وترقم بها أردية الكلام ، وأنا أستغني بقراءة القارئ أصنافها ، عن أن أقدّم أوصافها ، وهي بنات مؤلّفها ، وأسجاع مصنّفها ، وليست كالأسجاع المنسوبة لابن أبي الزّلازل [ 3 ] ، وهي بنات شتى قبائل ، لم يزد على أن بتر حكاياتها ، وطمس معالم آياتها ، ليصحّ له ما شرط في السجع من الأعداد ، فأضاع ما يراد لصون ما لا يراد . وقد تجمّل بغير ثيابه ، وأنفق من غير اكتسابه ، وأنا أنشد قول أبي النجم [ 4 ] : أنا أبو النجم وشعري شعري
--> [ 1 ] ص : الدقيق . [ 2 ] ص : وامتحنت . [ 3 ] هو الحسين بن عبد الرحيم بن الوليد الكلابي أبو عبد اللّه ( - 354 ) كان كاتبا شاعرا وله مصنفات منها : « أنواع الأسجاع » ابتدأ بتأليفه في دمشق سنة 343 وروى فيه عن شيوخه وغيرهم ( معجم الأدباء 10 : 118 ، وتهذيب ابن عساكر 4 : 306 ) . [ 4 ] هو أبو النجم العجلي الراجز واسمه الفضل بن قدامة ( انظر ترجمته في : الأغاني 10 : 157 ، والخزانة 1 : 48 ، والشعر والشعراء : 502 ، ومعجم المرزباني : 310 ، والسمط : 327 ، وانظر هذا الشطر في الأغاني 21 : 371 ) .